المعرض الجهوي

المدوّنة والمجتمع

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول تعديلات في بعض المواد في مدونة الأسرة، الكل يتحدث عن هذه التعديلات، وكل أصابع الاتهام موجهة للمرأة، أن لها حصة الأسد من هذا القانون الذي سينصفها ويجعل لها الأولوية في كل شيء، كل الفئات العمرية تتكلم عن ذلك كأن المرأة تنتظر بفارغ الصبر هذا التعديل لتحصل على حقها، في حين نسوا أو تناسوا أن الله أنصفها في القرآن الكريم وأعطاها حقها، تجاهلوا الدين والسنة وركزوا فقط على ما ستأتي به المدونة.

لا أعرف لماذا كل هذا التخويف والتشويش، كأن المرأة هي ذلك الوحش المخيف الذي يخيف الرجل، لهذه الدرجة أصبحت الحياة الزوجية مخيفة وبائسة،  لماذا كل هذه التعقيدات والمخاوف التي لا أساس لها من الصحة، الحياة الزوجية إن لم تكن مليئة بالحب والتفاهم والطمأنينة والسكينة، فلماذا نتزوج ؟

الزواج رحمة ومودة، وليس حلبة صراع من سيخرج منها هو الفائز، الزواج تلاحم وانسجام بين اثنين ، والمضي فيها مع بعضهما البعض بالصبر، بحب المرأة وإحتواء الرجل سوياً في حياتهما الزوجية، وتخطي كل المشاكل بعقل الزوج وقلب الزوجة .

فالمشكلة الأساسية ليست في تغيير المدونة، بل المشكل يوجد فينا نحن، وكأنه خلل متجدر، من هنا يتضح مدى التخبط والاضطراب في النظرة إلى الزواج، حتى لو غيروا مدونة الأسرة بأكملها، فنحن من يجب علينا أن نتغير، لأننا لا نملك ذلك النضج الكافي بالحياة الزوجية، ليس لدينا ثقافة زوجية ولا ثقافة جنسية، الزواج هو الخيار الأخير لحياتنا، لهذا علينا أن نجعله علاقة متينة بين الرجل و المرأة، ورباطا مقدسا لا ينفك بينهما، و صلة وثيقة تتحد بها نفسان و تتصل بها أسرتان، و شراكة روحية تهذب الأخلاق، وتكفل المودة و الرحمة في قافلة الحياة الطويلة، وما أبلغ قوله تعالى وهو يمثل لنا صورة هذا الاتحاد والامتزاج بين الزوجين : ” هن لباس لكم و أنتم لباس لهن “، لأن الزواج مشروع حياة وهذه الحياة ليست فيها أنت وهي، لكنه مشروع مشترك نجاحه او فشله مرتبط بمدى تدبيره الحسن.

هذا المشروع ينمو مع مرور السنين، حيث سينتج عن الزواج أطفال، عندما يكون هناك أطفال، بحيث يصبح هؤلاء القوة الدافعة لإكمال الحياة الزوجية بسلاسة دون تعقيدات، دائما نقول الحياة تغيرت، الحياة لم تتغير، نحن من تغيرنا، أصبحنا بين مد وجزر، قديما كانت العلاقة بين الرجل والمرأة عنوانها الحب والمودة والرحمة، يتخللها الصدق والوفاء، حتى عندما يتشاجر الزوج مع زوجته لا يعلم أحد بشجارهما، أما الأن فأصبح كل شيء مفضوح وعندما تتشاجر المرأة مع زوجها فالكل يعلم بذلك حتى أصبح نشر المشاكل الزوجية متاحا عبر مواقع التواصل الاجتماعي والاستشارات الفايسبوكية بكثرة، كأنها تستشير أهل الاختصاص فمن يتجاوبون مع تلك المشاكل تجد أغلبهن لم يستطعن حتى حل مشاكلهن.

لم تعد الأمور كسابق عهدها، أصبحنا مهووسين بالثقافات الأخرى ونسينا الأصل، أخدنا على عاتقنا أمورا ليس في ديننا ولا في مجتمعنا، هي دخلية على التقاليد والأعراف، فكل واحد يعيش حياته الخاصة، الزوجة لها حياتها والزوج له حياته، يجتمعون في المساء كأنهم غرباء، أصبح الأنترنيت ملاذا لبعضهن، فينشرن روتينهن اليومي على اليوتوب، والرقص في تيكتوك، وأخد الصور المزيفة بسناب شات، وعرض المشاكل على الفايسبوك، فغدت الحياة الزوجية مملة، دمرتها التكنولوجيا بأشياء تافهة، عوض الجلوس والخروج سويا ومناقشة الأمور، ففضلن نشر كل شيء على الإنترنت والانزواء في هذه الزاوية، وترك الحياة الزوجية باردة جافة تحاك حولها خيوط العنكبوث.

الحياة تحتاج لطريق مستقيم، وتصالح مع الذات، فلن تستطيع المدونة إصلاح شيء ما لم نصلحه بأنفسنا، لان القرار بأيدينا، والمدونة مجرد قوانين قابلة للتغيير.

 

أمال أغزافي / تطوان بوست

Loading...